محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
498
الإنجاد في أبواب الجهاد
بالفيء والخمس على الأصناف المذكورين في الآيتين المذكورتين ، ولا يكون في ذلك حقٌّ لمن سواهم ، وهم لا يرون ذلك ، بل يجيزون أن يُعطى غير الأصناف ، ويترك الأصناف في الآيتين ، أو يترك بعضهم بحسب المصلحة عندهم ، فقد ادَّعوا مساواتهما في الحكمِ بظاهر الآيتين ، ثم نكفوا بهما كليهما عن ذلك الحكم والمصرف المعيَّن إلى مصرفٍ غيره ، يدَّعون المساواة فيه استدلالاً بما تركوه ، إلا أنهم زعموا أن محمل تعيين الأصناف بالذكر في ذلك إنما هو على التأكيد في أمرهم ، لا أنه مقصورٌ عليهم حتى لا يجري ذلك إلا فيهم ، وربما كان مِن قول مَن احتجَّ لذلك : أَنْ ذكر قول الله - تعالى - : { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ } [ البقرة : 215 ] ، فكان للمنفق بإجماع أن يضعَ نَفَقتهُ في غير هؤلاء الأصناف إن رأى ذلك . وذهب الشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما ، والأوزاعي ، وأبو ثورٍ ، وإسحاق ، وداود ، والنسائي ، وعامَّة أهل الحديث والفقه ، إلى التفريق بين مصرف الفيء والخمس ، فقالوا : الخمس موضوع فيما عيَّنه الله - تعالى - فيه من الأصناف المُسمّين في آية الخمس من سورة الأنفال ، لا يتعدَّى به إلى غيرهم ( 1 ) ، ولهم مع ذلك في توجيه قَسَمِهِ عليهم بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلافٌ نذكره في قسم الخمس بعد هذا - إن شاء الله تعالى - . وأما الفيء : فهو الذي يرجع النَّظر في مصرفه إلى الإمام بحسب المصلحة والاجتهاد ، والدليل على ذلك : أن آية الخمس في الأنفال عَيَّنتْ مصرف الخمس في الأصناف ، وآية الفيء في الحشر هي عامَّة في وجوه المصالح . قال الله - تعالى - : { مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ } إلى قوله : { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ } ثم إلى قوله : { وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ } ثم إلى قوله : { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ } [ الحشر : 7 - 10 ] ، كلُّ ذلك عند
--> ( 1 ) مضى ذكر مذاهب العلماء في التفريق بين مصرف الخمس ومصرف الفيء .